الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

355

انوار الأصول

المعتبر في حجّية الاستصحاب بقاء الموضوع ، أي وحدة القضية والمشكوكة . ثالثها : رجوعه إلى الأصل المثبت غالباً ، لأنّ المراد من استصحاب النهار مثلًا إمّا إثبات وقوع الإمساك في النهار ، وهو لازم عقلي لبقاء النهار ، أو إثبات أنّ الصّلاة وقعت أداءً ، وهو أيضاً لازم عقلي له . وقبل الورود في الجواب عن هذه الإشكالات لا بأس بالإشارة إجمالًا إلى حقيقة الزمان ، فقد دارت حوله أبحاث كثيرة ضخمة ، وصدرت من الأعلام في هذا المجال مطالب معقّدة ، مع أنّه بإجماله من الضروريات البديهيات . وكيف كان ، فإنّ عمدة الآراء فيه ثلاثة : 1 - أنّه بُعد موهوم يتوهّم الإنسان بوقوع الأشياء فيه . 2 - أنّه ظرف خاصّ كالمكان ، وله بعد حقيقي في الخارج ، وهو مخلوق قبل الأشياء الزمانيّة . 3 - ما هو مختار الفلاسفة المتأخّرين ( وهو الحقّ ) من أنّ الزمان ليس إلّا مقدار الحركة في العرض أو الجوهر ، فلولا الحركة لما كان هناك زمان ، فهي في الحقيقة مخلوقة بعد خلق الأشياء المادّية لا قبلها ، وهكذا المكان فإنّه أيضاً ينتزع بعد خلق الأشياء المادّية ونسبة بعضها إلى بعض كما ذكر في محلّه . إذا عرفت هذا فلنرد في الجواب عن الإشكالات الثلاثة المذكورة فنقول : أمّا الإشكال الأوّل ففيه : أنّ المستفاد من أدلّة الاستصحاب إنّما هو اعتبار وجود يقين سابق وشكّ لاحق في شيء واحد ، ولا دليل على اعتبار عنوان البقاء فيه . وأمّا الإشكال الثاني فالجواب عنه : أوّلًا : أنّ المعتبر وجود الوحدة بنظر العرف لا بالدقّة العقليّة ، والوحدة العرفيّة موجودة في الزمان بلا ريب . وثانياً : أنّ الوحدة موجودة فيه حتّى بالدقّة العقليّة ، ودليلها وجود الاتّصال الحقيقي بين أجزاء الزمان ، وإلّا يلزم الاجزاء غير المتناهية في المتناهي ( بين الحاضرين ) بعد عدم صحّة الجزء الذي لا يتجزّى ، فالموجود في الخارج في الأمور المتّصلة ليس إلّا شيئاً واحداً ، وإنّما التجزئة في الذهن .